مدخل عام: أعالج في هذه البحث دور الهجرة الأندلسية إلى فحص الجزائر ومتيجة، حيث تبدو نصوص ووثائق ...

وصلت إلى الجزائر أعداد كبيرة من الأندلسيين عبر العصور، لا تقل عن الأعداد التي نزحت إلى المغرب و تونس. انتقل منهم ...

مذكرات الشيخ عبد اللطيف سلطاني – الحلقة 6

الشيخ عبد اللطيف سلطاني رحمه الله مقررات‮ “‬وادي‮ ‬الصومام‮” ...

مذكرات الشيخ عبد اللطيف سلطاني – الحلقة 5

أديت‮ ‬ثلاث‮ ‬حجات‮ ‬وست‮ ‬عمرات‭..‬‮ ‬ومن‮ ‬الله‮ ‬القبول

الشيخ عبد اللطيف سلطاني رحمه الله مقررات‮ “‬وادي‮ ‬الصومام‮” ‬كتبت‮ ...

  مذكرات

مذكرات الشيخ عبد اللطيف سلطاني - الحلقة 4

عدد القراء : 3779

      الجمعة الأولى كانت يوم 13 منه، وبقيت فيه إلى آخر جمعة صليتها فيه، وذلك يوم 27 محرم 1380 – 22 جويلية 1960م، فبقيت فيه طوال مدة الثورة التحريرية، ويحضر الصلاة في بعض الأوقات مجاهدون ينزلون من الجبال، وكنت متطوعا بالصلاة فيه، مع الدروس الوعظية، ثم تركته لخلاف وقع بيني وبين الجمعية القائمة به، بسبب رغبتي ورغبة المسلمين في توسيعه لضيقه، فجمعت لذلك مالا وافرا، فلم تقبل الجمعية هذا العمل الخيري، لأنه جاء على غير يدها، واعتراها الحسد الذي كثيرا ما قضى على المشاريع الخيرية

قيامي‮ ‬بالإمامة‮ ‬والخطابة‮ ‬في‮ ‬العاصمة‮‬

كان هذا حين أتمت جمعية “النور” المشرفة على بناء مسجد العناصر – الرويسو – أشغالَ البناء، وطلبت مني أن أتولى صلاة الجمعة فيه، فلبيت الطلب وصليت أول صلاة فيه، فكانت صلاة عيد الأضحى لسنة 1373 هـ 10 أوت 1954م.
والجمعة الأولى كانت يوم 13 منه، وبقيت فيه إلى آخر جمعة صليتها فيه، وذلك يوم 27 محرم 1380 – 22 جويلية 1960م، فبقيت فيه طوال مدة الثورة التحريرية، ويحضر الصلاة في بعض الأوقات مجاهدون ينزلون من الجبال، وكنت متطوعا بالصلاة فيه، مع الدروس الوعظية، ثم تركته لخلاف وقع بيني وبين الجمعية القائمة به، بسبب رغبتي ورغبة المسلمين في توسيعه لضيقه، فجمعت لذلك مالا وافرا، فلم تقبل الجمعية هذا العمل الخيري، لأنه جاء على غير يدها، واعتراها الحسد الذي كثيرا ما قضى على المشاريع الخيرية، وأظهرت استبدادا على المسلمين، وأنها هي وحدها صاحبة الكلمة والتصرف، فمنعت المسلمين من فعل الخير، وكل ذلك من الحسد والغيرة، ففارقته، ثم انتقلت إلى جامع صلامبي (حي المدنية الآن) فكنت واعظا بجامعه الذي كنت عملت مع أعضاء جمعيته – الصادقية – على تأسيسه ثم على توسيعه، وذلك في الفترة ما بين (1960 – 1962) وبعد تحرير الوطن من السيطرة الفرنسية، وتأليف الحكومة الجزائرية، عرض علي وزير الأوقاف الأول، الشيخ أحمد توفيق المدني، أن أتولى الإمامة الأولى والخطابة في جامع “كتشاوة” بالعاصمة، بعد تحريره من قبضة المستعمر الذي كان حوله إلى كنيسة (كتدرائية) بعد احتلاله للوطن، فلبيت العرض، وبدأت الصلاة والخطابة فيه مع الدروس الوعظية وصلاة الجمعة، وأول صلاة صليتها فيه كانت صلاة عيد الفطر فاتح شوال 1382هـ 24 فبراير 1963م، فسلكت فيه ذلك المسلك المعروف مني، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصراحتي المعروفة عني، من غير مجاملة ولا تملق على حساب الدين والأخلاق، فلم يعجب هذا السلوك مني رئيس الدولة الأول، السيد أحمد بن بلة، حيث عارضته في قضية خروج المرأة المسلمة الجزائرية إلى الشارع، مع خروجها عن الآداب الإسلامية التي كانت تتحلى بها المرأة الجزائرية المثالية عندنا في الجزائر، فقد دعاها إلى ذلك ورغبها فيه، وحثها عليه في خطاب ألقاه من شرفة نادي “الترقي” في العاصمة يوم 23 مارس 1965، فأحدث بهذا ثلمة كبيرة في بناء الأسرة، فتصدع الحصن الحصين، وانتشرت الرذيلة، وماتت الفضيلة، وكثر فراق الزوجات لبيوت الزوجية، وهروب الأزواج عن زوجاتهم وأولادهم، وخربت البيوت العامرة، فهل يليق السكوت في مثل هذه الحالة!؟ فعارضته أنا بخطبة يوم الجمعة 24 ذي القعدة 1384 – 26 مارس 1965 وكان موضوعها (المرأة ومكانتها في الإسلام) وكانت مذاعة بواسطة الإذاعة الجزائرية، فغضب، “أو أغضب”، واستدعاني إلى قصر الحكومة يوم الخميس فاتح أفريل 1965، فقابلني وزيره لدى الرئاسة، السيد عبد الرحمان الشريف، وأبلغني غضب الرئيس من خطبتي يوم الجمعة، وقال لي: يقول لك الرئيس: إن كان ما صدر منك عن هفوة أو سبق لسان فإني أرجو أن لا يتكرر، فقلت له: أبلغه عني أني تعمدت ما قلته عن قصد، وأتحمل مسؤوليته، ولا أسكت عن كل أحد أراد فساد أخلاقنا، أو محاربة ديننا كائنا من كان، ولازلت أزيد. ولما أبلغه عني هذا أبعدني ـ بواسطة وزير الأوقاف في ذلك الوقت السيد التيجاني الهدام ـ عن الخطبة والصلاة فيه، ابتداء من يوم الجمعة 8 ذي الحجة 1384 هـ 6 أفريل 1965م، بواسطة رسالة من وزارة الأوقاف بتاريخ 6 ذي الحجة و7 أفريل، وبإمضاء كاتبها العام، السيد الطاهر التجيني ـ رحمه الله ـ ولم تمض عليه في الرئاسة بعد أن تعرض للدين إلا مدة يسيرة، وأطيح به عن منصبه بواسطة هواري بومدين ومن معه، وهذا جزاء من تعرض للدين بسوء، وبعد الإطاحة به في 19 جوان 1965، طلب مني نفس الوزير الذي كان بواسطته‮ ‬إبعادي‮ ‬عن‮ ‬الجامع‮ ‬المذكور‮ ‬العودة‮ ‬إلى‭ ‬الجامع،‮ ‬فعدت‮ ‬إليه‮ ‬في‮ ‬4‮ ‬ربيع‮ ‬الأول‮ ‬1385‮ ‬ـ‮ ‬2‮ ‬جويلية‮ ‬1965،‮ ‬وكنت‮ ‬متطوعا‮ ‬بالصلاة‮ ‬فيه‮ ‬من‮ ‬يوم‮ ‬التحاقي‮ ‬بالتعليم‮ ‬في‮ ‬شهر‮ ‬سبتمبر‮ ‬1964‮.‬
وفي أول نوفمبر 1965، يوم الإثنين 8 رجب 1385هـ، وقع الاحتفال كالعادة بمناسبة ذكرى اندلاع ثورة التحرير، فوقع من أجل هذا استعراض كبير، أظهر فيه المشرفون عليه والمهيئون له عدم اهتمامهم واكتراثهم بالأخلاق والآداب والتقاليد الإسلامية الجزائرية، فقدموا للعرض فتيات جزائريات شبه عاريات أمام الوفود الأجنبية الكثيرة، التي قدمت للجزائر لحضور هذا الحفل، والمصورون للسينما والتلفزيون الأجانب يصورون، فأنكرت وقوع هذا الكشف المتعمد لجسد البنت المسلمة في هذا العرض الكبير، وأنكرت هذا العمل ـ ومن حق العلماء أن ينكروا كل ما لا يليق بالمسلم إذا رأوه ـ وذلك في خطبة الجمعة في جامع “كتشاوة” يوم 12 رجب 1385 – 5 نوفمبر 1965، وكانت الخطبة مذاعة بواسطة الإذاعة الجزائرية. ـ أيضا ـ فلم يعجب هذا الإنكار مني الدوائر الحكومية والحزبية، وعلى رأسهم وزير الأوقاف العربي سعدوني في ذلك الوقت، لأنه مأمور من جانب الحكومة والحزب، فاستدعاني إلى وزارته يوم السبت 13 رجب 1385 – 6 نوفمبر 1965، ولامني على ما جاء في هذه الخطبة، وكان هذا الرجل، العربي سعدوني، نفسه قبل أن تسند إليه وزارة الأوقاف التقى بي في الطريق ـ بعد أن سمع خطبة الجمعة ـ المذاعة بواسطة الإذاعة ـ التي أنكرت فيها على بن بلة دعوته لخروج المرأة المسلمة للشارع، كما ذكرت سابقا، قلت التقى بي في نهج “باب عزون” أمام المكتبة الجزائرية٠ ولما رآني أسرع إلي، وشكرني شكرا جزيلا وافرا، وقبّل رأسي، وقال لي هذه الكلمات: (أشكركم كثيرا على خطبتك، فإنك رفعت رؤوسنا، والحمد لله الذي لازال فينا من يقول كلمة الحق، ولا يخاف أحدا إلا الله) قال هذا الكلام قبل أن تسند إليه الوزارة ـ أو يسند إليها ـ أما بعد أن أسندت إليه، فقد تبدل وتغير ولامني على كلمة الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلما رأيت منه هذا التحول من قريب تخليت ـ من تلقاء نفسي ـ عن الصلاة والخطابة والدروس الوعظية في الجامع المذكور، بداية من يوم الجمعة 19 رجب 1385 12 نوفمبر 1965، وكنت متطوعا فيه لوجه الله تعالى، ونرجو منه القبول، وذلك من شهر سبتمبر 1964 من حين التحاقي بسلك التعليم التابع لوزارة التعليم، وهو الوقت الذي اعترفت فيه الحكومة الجزائرية بأعمال المعلمين الأحرار التابعين لجمعية العلماء وغيرها من الهيئات التي كانت تشرف على التعليم العربي الحر، إذ أعطت الحكومة الجزائرية الحق ـ في الوظيف العمومي وما يتبعه من الحقوق التي يتمتع بها الموظفون كالإحالة على المعاش وغيره ـ لكل من عمل في الماضي، أي في أيام الاحتلال الفرنسي للبلاد، فاعترفت الحكومة لمن ذكر بتعليمهم القديم الذي به تحسب لهم السنوات التي باشروا فيها التعليم، وهو ما يعبر عنه بـ (الأقدمية)، لأن المستعمر كان لا يعترف باللغة العربية ولا بمعلميها الذين لم يكونوا في سلك معلمي لغته. قلت: التحقت بالتعليم لأنال حقي في التقاعد ـ الإحالة على المعاش ـ إذا بلغت السن المحدد لذلك، إذ وزارة الأوقاف لا حق لها في التوظيف (توظيف الأئمة) والوظيف العمومي، لا يدخله رجال السلك الديني، وهذا من الإرث الذي تركته لنا فرنسا صاحبة قانون “فصل الدين عن الحكومة” كما هو من غرائب الزمان وأعاجيبه، وهذا كما قلت موروث عن العهد الاستعماري، لأن فرنسا لا تعترف بالدين ولا توظف القائمين به، فلما كانت تعطيه للقائمين به ـ بعد أن أخذت أوقاف المساجد ـ في مقابل أعمالهم وانقطاعهم لها يسمى عندها “محنّة” ويسمى في الواقع “محنة”، والكلمة فيها قلب من منحة إلى محنّة، كأنها صدقة، قلت وهذا من الغرائب، فعامل البلدية “الكناس مثلا” ذو العمل الوضيع لعدم ثقافته، له الحق في التمتع بثمرة عمله وتعبه إذا كبر وعجز عن العمل، إذ له الحق في الإحالة على المعاش، أما القائم بأمور الدين الذي أمضى شطرا كبيرا من عمره في خدمة الدين الإسلامي، وبثه والسهر عليه، فإنه لا حق له في ذلك، لهذا الظلم والحيف المسلط على رجال السلك الديني تركت المسجد، وانتظمت في سلك المعلمين في الثانويات والوظيف العمومي كما قلت، وفي كل خير وخدمة للدين، والتحقت بالتعليم في شهر سبتمبر 1964، فعلمت سنتين في ثانوية “حسيبة بن بوعلي” للإناث في القبة، ثم انتقلت ـ بطلب مني ـ إلى ثانوية الإدريسي للذكور خاصة، وهي في ساحة أول ماي بالجزائر، وبقيت أعلّم فيها إلى أن بلغت سن التقاعد والإحالة على المعاش، فنلته بداية من 4 ذي القعدة 1390هـ أول جانفي 1971م، وقد نفعنا كثيرا في الثانويات الفتيات والفتيان، ولما تألفت “لجنة” من المحسنين ذوي الغيرة على الدين لانتزاع جامع (ابن فارس) بحي القصبة المعروف بـ(جامع اليهود) من أيدي اليهود الذين كانوا قد استولوا عليه ـ بعد احتلال فرنسا للجزائر ـ وحولوه إلى بيعة لهم، فانتزعت تلك اللجنة الجامع منهم، وبعد ترميمه وإصلاحه طلبت مني أن أتولى صلاة الجمعة فيه، فقبلت والتزمت ـ متطوعا ـ بذلك من وقت افتتاحه في المحرم سنة 1386 – 1966، وبقيت فيه إلى أن طلب مني وزير التعليم الأصلي والشؤون الدينية (الأوقاف) المولود قاسم أن أخطب بخطبة وزارته التي ترسلها إلى كل إمام جمعة في سائر القطر الجزائري، ليقرأها على المصلين من فوق المنبر ـ كما يقرأ مذيع نشرة الأخبار نشرته في الإذاعة ـ فرفضت طلبه واعتبرته إهانة منه ـ وكثيرا ما تكون في أغراض خارجة عن نطاق الدين، كتمجيد الاشتراكية الملحدة الشيوعية ـ لأني قادر على إنشاء خطبتي، والجامع غير تابع لوزارته، أما الدافع الحقيقي لما طلبه مني فهو غير ما تظاهر به، وهو تحرج بعض الجهات من تأثير خطبتي في الجمهور لصراحتها، ودائما تكون خطبي بعيدة عن التزلف والنفاق، لهذا وحده طلب مني أن أخطب‮ ‬بخطبة‮ ‬وزارته،‮ ‬وهو‮ ‬يعلم‮ ‬أني‮ ‬لا‮ ‬أقبلها،‮ ‬ولما‮ ‬رفضت‮ ‬له‮ ‬ما‮ ‬أراده‮ ‬قال‮ ‬لي‮: ‬اترك‮ ‬لنا‮ ‬الجامع،‮ ‬فتركته،‮ ‬وآخر‮ ‬جمعة‮ ‬صليتها‮ ‬فيه‮ ‬كانت‮ ‬في‮ ‬2‮ ‬جمادى‭ ‬الأولى‮ ‬1391‮ – ‬1971‮.‬
والمتتبع لهذه الأطوار التي مررت بها أومرت بي في المساجد، يدرك أن بعض المسؤولين عندنا يريدون أن يسخروا المنابر في المساجد لخدمة أغراض بعيدة كل البعد عن الميدان الديني، وأفوض أمري إلى الله، وهو وحده يتولى الظالمين.
                                               - يتبع -
جريدة الشروق 2011.08.05